14‏/08‏/2010

يوميات طفل قديم

(55)


(14)
سمير زميلنا فى الفصل فشّار معروف، ومع ذلك ينجح دائماً فى إقناعنا بأن آخر حكاية هى فعلاً جدية.
عندما مات جدى عزيز ذهبت حزيناً إلى المدرسة. أصر الجميع على ذهابى. كان يرقد على سريره وحوله نساء متشحات بالسواد ويبكين. بعضهن كان يصرخ بحدة فيفزعنى. فى المدرسة طيَّب سمير خاطرى وأخرج من حقيبته صورة للعذراء مريم.
قال لى لا تحزن. عندما تذهب للمنزل ضع هذه الصورة على صدر جدك. إذا كانت أعماله خَيِّرة فستتحول الصورة إلى اللون الأبيض، عندئذ تأكد أنه سيذهب إلى الجنة، أما إذا كانت أعماله سيئة، فسيتحول لون الصورة إلى السواد.
أنا أثق أن جدى سيذهب إلى الجنة، لذلك أخذت الصورة سعيداً. عدت إلى المنزل مسرعاً، ودخلت فرحاً إلى غرفة جدى، بسرعة خاطفة وضعت الصورة على صدر جدى وقلت للجميع: إذا تحولت الصورة إلى اللون الأبيض سيذهب إلى الجنة وتتوقفن عن البكاء ضحك الجميع على استحياء ونهرتنى عمتى فريدة، هى أخت جدى ولكنى كنت أناديها مثلما تفعل أمى. قالت لى وهى تدارى ابتسامة، امشِ الله يخيبك، هَمُّ يُضَحِّك وهَمُّ يُبَكىِّ.

(15)
كان مصروفى فى المدرسة الابتدائية تعريفة فى اليوم، أى نصف قرش. كنت أتطلع شوقاً إلى أخذ مصروفى شهرياً بدلاً من يومياً. خمسة عشر قرشاً مبروكة، يعنى مرتباً شهرياً. ظللت ألح على أمى، حيث كانت هى المسئولة عن مصروف البيت، حتى وافقت أخيراً ولكن على مضض.
بدأت أنتظر أول الشهر قبلها بمدة. فى يوم أول الشهر انتظرت عودتى من المدرسة وعودة أمى من عملها بصبر نافد. طلبت المصروف فقالت لى اصبر حتى نتغدى ونستريح قليلاً. نهض أبى وأمى من نومهما واستعدا للخروج. مدت أمى يدها فى كيس الفلوس وأعطتنى ورقتين، عشرة قروش وخمسة قروش. كانتا جديدتين ومشدودتين.
انتظرت نزولهما ثم نزلت بعدهما متوجهاً إلى عم عبد السيد البقال. دخلت المحل وأخذت أنظر إلى الأرفف. لمحت زجاجات الكينا التى كنت أرقبها منذ زمن وأتابع إعلاناتها. كينا بسليرى الحديدية. زجاجات كبيرة وزجاجات متوسطة وصغيرة.
سألت عن سعر الزجاجة الصغيرة فأفادنى بأنها بأربعة قروش ونصف.
كنت أحب الجبن الرومى القديم وتخيلته مَزةً محترمة، كذلك الزيتون المخلل.
طلبت زجاجتين من الكينا وقلت لنفسى تسعة قروش، ثم طلبت بقرشين جبنة رومى وبقرش زيتون مخلل.
أعطيت عم عبد السيد ورقتى النقود وأنا لا أعلم كم يتبقى لى من فرط الإثارة.
أعطانى الرجل ثلاثة قروش، فكرت قليلاً ثم قلت له أعطنى بقرش ملبس نادلر وبقرشين شيكولاتة كورونا.
أخذت الكيس وعدوت نحو المنزل ملهوفاً. كانت جدتى بالشرفة تشم الهواء ومعها دادة حميدة. خفت ان يفاجئنى أحد وأنا فى وسط القعدة. وجدت الحل. نزلت تحت المائدة مختبئاً بين أرجل الكراسى وبدأت بفتح زجاجة الكينا، تذوقتها ففوجئت بطعم له مرارة لا بأس بها. شعرت بدرجة من الإخفاق لكننى كنت أريد أن أقضى وقتاً سعيداً، فتحت ورقة الجبن الرومى وورقة الزيتون المخلل وتغلبت بهما على مرارة الكينا. شربت الزجاجتين وأكلت الجبن والزيتون والشيكولاتة ورحت فى نوم عميق. استيقظت على ضجيج وشتائم وتوعد وتهديد وقرار بعدم أخذ مصروف شهرى بعد ذلك.

(16)
حمام يوم الخميس هذا عذاب فظيع. تأخذنى حميدة المربية وتمزق جسمى باللوفة الخشنة حتى تتأكد من نظافته.
الماء ساخن جداً واللوفة مثل الحجر. كلما نعمت قليلاً تغيرها حتى تنظف الجسم كما تقول. وغسل الرأس والوجه بالماء والصابون هو العذاب الأكبر. الصابون يدخل فى عينّى فيحرقهما.
رائحته عفنة ولا يريدون تغييره. لابد أن يكون الصابون نابلسى شاهين. باختصار يفعلون فى حمام يوم الخميس كل ما من شأنه أن يعذب ويحيل اليوم إلى كابوس مخيف.

من كتاب "يوميات طفل قديم" . ذكريات طفولة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق